السيد محمد حسين الطهراني
34
معرفة المعاد
إنّ مَن تخطّى مرحلة الإخلاص وفني في ذات الله وتمحّض وجوده وسرّه من شوائب الاثنينيّة ، وانتمى إلى عالم التوحيد المطلق ، فقد انتفى تعيّنه ووجوده فليست له بعدُ آثار وجوديّة وصحيفة العمل من جملتها . المخلَصون وما أدراك ما المخلَصون ، أولئك الذين انتهى قوس صعودهم في معرفة ذات الحقّ وطيّ درجات القُرب ، فامّحوا في ذات الحضرة الأحديّة . على أنّ حركتهم لم تكن في حال النزول وطيّ قوس نزول مراتب ما دون الذات ، ليعودوا إلى تلك المرتبة ويفنوا فيها ، بل كانت بداية حركتهم من الذات ، ثمّ إنّهم شرعوا بطيّ قوس الصعود في العالم الأدنى ( أي عالم الطبع ) ثمّ تخطّوا الأسماء والصفات الإلهيّة وفنوا فيها وصولًا إلى الفناء في ذات الحقّ تعالى . وهؤلاء المخلَصون يسكنون حرم الله ، ويحظون بقُربه والانس به ، وهو وليّهم . فمن أيّ جهة إذاً سيُعطون كتابهم ؟ في حرم الله سبحانه لا وجود لزمان ومكان ولا جهة ولا جانب ولا يمين ولا شمال وجنوب ولا أعلى وأسفل ، إذاً فكيف ستكون صحيفة الأعمال ؟ فإن كانت تفصيلًا للحقيقة الملكوتيّة للأعمال ، للزم ظهور حقائق الأعمال في الصقع الربوبي وفي جهة الذات الأحديّة ، بَيدَ أنّه ليس في محضر الله وفِنائه صورة وشكل ومادّة ومعنى ، ولا من تفصيل وتجزئة . لذا لا وجود هناك لكتاب وصحيفة عمل ، وعموماً لا يوجد للمقرّبين كتاب . ونلحظ أنّ القرآن لم يذكر لهم كتاباً ولا صحيفة عمل . لقد وصل عباد الحقّ المخلَصين خلال طيّهم لطريق السلوك إلى حيث فنوا في ذات الحقّ تعالى ، وفنيت أسماؤهم وآثارهم ، فلم يبق منهم عينٌ ولا أثر ، فلقد فنيت صفاتهم في صفات الحقّ ، وفنيت ذواتهم في ذات الحقّ ، فهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً من إرادة واختيار وفعل ، فقد صار الحقّ في وجودهم المريد والمختار والفاعل . إذ سلّموا كلّ وجودهم